Tuninet.com

Tuninet.com Blog personnel مجلة اقتصادية تصدر في صفاقس

أسرار البحارة في صفاقس: كيف تميز بين البوري والميلة والجفاو والكرشو وسر بيض هذه السمكة الخريفية بامتيازتُعدّ أسماك عائلة...
06/09/2026

أسرار البحارة في صفاقس: كيف تميز بين البوري والميلة والجفاو والكرشو وسر بيض هذه السمكة الخريفية بامتياز
تُعدّ أسماك عائلة البوري (أو الحوت الأبيض في التقاليد البحرية الصقاقسية) من أهم الأسماك الساحلية في صفاقس. ورغم تشابهها الشديد ظاهرياً، إلا أن صيادي وأهالي المنطقة يميزون بدقة بين الكرشو، الميلة، الجفاو، والبوري الأصلي.

الفروق الجوهرية بين الميلة والجفاو والبوري والكرشو
تُعدّ أسماك عائلة البوري (أو الحوت الأبيض في التقاليد البحرية التونسية) من أهم الأسماك الساحلية. ورغم تشابهها الشديد ظاهرياً، إلا أن أهالي المناطق الساحلية وخاصة في صفاقس يميزون بين خاصياتها بدقة.

تتميز الميلة (اللميلة) بلونها الأسود الداكن وجودة قشورها، وأهم ما يميزها عن بقية فصيلتها هو وجود طبقة لزجة من “اللعاب” الكثيف الملموس عند صيدها طازجة، وتعتبر هذه الطبقة العلامة الأساسية لمعرفة جودتها وطراوتها.

أما الجفاو فهو سمك يشبه الميلة إلى حد كبير في شكله الظاهري ولكنه يخلو تماماً من تلك الطبقة اللزجة ومن انحناء البطن. يتغذى الشفاو على الطمي والتراب في قاع البحر، لذلك يُفضل قليُه فقط بعد تنظيفه بدقة متناهية؛ إذ إن عدم إزالة التراب من أحشائه يؤثر سلباً على طعم المرق ولا يجعله صالحاً للطبخ.

بالنسبة لـ البوري الأصلي، فهو يُعد “سيد الأسماك البيضاء” في المياه الصفاقسية ، ويكثر تواجده والإقبال عليه خلال فصل الشتاء. يتميز البوري بأنه أقل دسامة وقوة مقارنة بالكرشو، مما يجعله خفيفاً ومقبولاً في جميع الأطباق والوصفات لدى الكبار والصغار.

وأخيراً، يتصدر الكرشو أسماك الخريف في السواحل التونسية وخصوصاً في صفاقس، وهو سمك قوي ودسم تتميز قشوره بحجمها الكبير ورأسه المخلطة. يُسمى صغيره في صفاقس “الكربوع” أو “الكريوع”، وعندما يكبر حجماً يكتسب اسم “الكرشو” وتتكون على عينيه طبقة دهنية شفافة لحمايتها، كما يُعرف بقدرته العالية على القفز فوق ماء البحر. يُعد الكرشو الخيار المثالي لأطباق الكسكسي والمصلي، وتتكامل الاستفادة منه باستهلاك أحشائه (“القانوص”)، فضلاً عن كون إناثه المصدر الأساسي لاستخراج أجود أنواع بيض الحوت (البوتارغ) الذي يُملح ويُجفف ليُحفظ ويُستهلك طوال العام.

سمك الكرشو وبيضه: جوهرة الخريف الصفاقسي
تنفرد مدينة صفاقس والشرق التونسي بعلاقة خاصة مع سمك الكرشو (Liza saliens أو Mulet sauteur) خلال فصل الخريف، حيث تكتمل جودته ودسامته.

مميزات سمك الكرشو وبيضه:
أجود أنواع البطارخ (بيض الحوت): يُستخرج من إناث الكرشو في الخريف أجود أنواع بيض الحوت، حيث يتم ملحه وتجفيفه بعناية لإنتاج ما يُعرف بـ البوتارغ (Boutargue / البتارخ). تُجفف هذه البطارخ لتصبر وتُحفظ كغذاء فاخر يُستهلك عند الحاجة أو يُقدم في المناسبات.
الاستغلال الكامل (“القانوص”): تقتضي التقاليد البحرية في صفاقس الاستفادة الكاملة من السمكة، حيث تردد الموروثات الشعبية المثل القائل: “كول الكرشو تو وقتو وما طيش القانوص”؛ إشارةً إلى طعم الكرشو اللذيذ في موسمه وأهمية الاستفادة من أجزائه الداخلية كالمعدة والأمعاء (القانوص) في إعداد أطباق تقليدية مميزة.
السلوك والخصائص البيولوجية: يتميز الكرشو بلياقته العالية وقدرته على القفز المتكرر فوق سطح الماء هرباً من الشباك أو المفترسات. وعند بلوغه حجماً كبيراً، تتشكل طبقة دهنية شفافة تُغطي عينيه تحميه في المياه الضحلة والساحلية.
محمد المنجة سبتمبر 2026 www.tuninetinfo.wordpress.com

زنقة الفنطازية… قراءة في شخصية صفاقس العمرانية من أضيق أزقتهافي المدينة العتيقة بصفاقس، ليست كل الأزقة متشابهة، وليس كل ...
04/09/2026

زنقة الفنطازية… قراءة في شخصية صفاقس العمرانية من أضيق أزقتها
في المدينة العتيقة بصفاقس، ليست كل الأزقة متشابهة، وليس كل ما يبدو ضيقًا نتيجة الصدفة. فهناك أنهج أوسع، وأخرى ضيقة، وسكك وأزقة تكاد لا تسمح إلا بمرور شخص واحد.

ومن بين هذه المسالك تبرز زنقة الفنطازية، المحاذية لجامع بوشويشة من الجهة الغربية، باعتبارها واحدة من أكثر الأزقة إثارة للانتباه، لا بسبب ضيقها فحسب، وإنما بسبب الاسم الطريف الذي حفظته الذاكرة الشعبية: «الفنطازية»، أو «زنقة عنقني».

والصورة التي تقدمها الزنقة اليوم تكاد تكون أبلغ من أي وصف: جداران متقابلان، ممر شديد الضيق، وشخصان يمران فيه لا يكادان يجدان متسعًا للسير جنبًا إلى جنب.

لكن زنقة الفنطازية ليست الوحيدة من نوعها في المدينة العتيقة، وهذه ملاحظة مهمة لفهم الحكاية بعيدًا عن الطرافة وحدها.

لماذا كانت أزقة صفاقس ضيقة؟

تؤكد المعطيات المنشورة عن المدينة العتيقة أن شبكة مسالكها تضم أزقة وأنهجًا ضيقة ومنعرجة وأخرى أوسع نسبيًا، وتتنوع تسمياتها بين الزنقة والنهج والسكة والزقاق والسباط.

ولفهم هذا العمران، علينا أن ننظر إلى عقلية المدينة نفسها.

فالصفاقسي، في صورته التقليدية التي حفظتها الذاكرة الاجتماعية، عُرف بحسن التدبير والاقتصاد في الموارد واستغلال المتاح بأكبر قدر ممكن. وفي مدينة كانت الحياة فيها محصورة داخل الأسوار، كانت الأرض موردًا ثمينًا، بينما كان المنزل والدكان والورشة والسوق عناصر أساسية في الحياة اليومية.

لذلك لم يكن من الضروري أن يكون كل مسلك فسيحًا؛ فالنهج بالنسبة إلى السكان وسيلة للعبور، وليس بالضرورة مساحة مخصصة للتنزه أو لمرور العربات كما نعرفها اليوم.

وهنا يمكن فهم ضيق بعض الأزقة باعتباره جزءًا من منظومة عمرانية تعطي الأولوية للفضاء المبني والوظائف التي يحتضنها.

ولا يعني ذلك أن الصفاقسية تعمدوا منذ البداية إلى تضييق الأزقة بهذه الصورة وفق مخطط موحد؛ فالمشهد العمراني تشكل عبر مراحل طويلة، وتداخلت فيه عوامل الملكية والبناء والحاجة إلى السكن والتجارة والحرف، إلى جانب الخصوصية والدفاع.

مدينة داخل الأسوار… وكل شبر له وظيفته

كانت المدينة العتيقة بصفاقس مدينة مسوّرة تبلغ مساحتها نحو 24 هكتارًا، وتتميز بتخطيط منتظم نسبيًا، تتوسطه الجامع الكبير وتتوزع حوله الأسواق والمساكن والمسالك. وتصفها اليونسكو بأنها مثال مهم على العمران الإسلامي المعروف بالتخطيط الشجري أو المتفرع.

ومن الطبيعي في مثل هذا النسيج العمراني أن تتجاور الوظائف المختلفة: البيت والدكان والورشة والمسجد والسوق والمسلك، داخل مجال محدود بالأسوار.

بل إن المصادر التاريخية والمعمارية تشير إلى أن الدور الصفاقسية نفسها كانت في الغالب ذات مساحات محدودة، لكنها منظمة بعناية حول الوسطية والسقائف والغرف والمرافق المختلفة.

وهكذا يصبح الزقاق الضيق جزءًا من فلسفة عمرانية أوسع:
تقليل المساحات غير المستغلة، وتعظيم الاستفادة من المجال المتاح، وترك أكبر قدر ممكن من الأرض للبناء والوظائف التي تحتاجها المدينة.

من الزنقة إلى صفاقس الشعاعية

والمثير أن هذه السمة لا تختفي تمامًا عند مغادرة الأسوار.

فإذا نظرنا إلى صفاقس الحديثة من الأعلى، سنجد مشهدًا مختلفًا في الحجم، لكنه يحمل شيئًا من المنطق نفسه في استغلال المجال.

فالمدينة الحديثة ذات بنية شعاعية واضحة؛ طرق رئيسية تنطلق من المركز وتتجه نحو مختلف الجهات، حتى وصفها البنك الدولي بأن شبكة الطرق فيها ذات نمط شعاعي، فيما يبدو شكل التجمع العمراني العام أشبه بالمروحة.

ومن الفضاء تبدو صفاقس وكأنها شبكة من الخيوط تنطلق من قلب المدينة نحو الأطراف.

غير أن هذا النمو لم يكن بلا ثمن؛ فقد امتد العمران تدريجيًا داخل مناطق «الجنائن» المحيطة بالمدينة، وتعرضت الملكيات الزراعية للتقسيم بين أفراد العائلات وللتكثيف والبناء، خصوصًا منذ النصف الثاني من القرن العشرين. وتشير وثائق التخطيط إلى أن هذا التوسع أدى إلى تراجع المساحات المفتوحة والزراعية تدريجيًا.

لذلك فإن تشبيه صفاقس بـشبكة العنكبوت يصلح كتعبير صحفي جميل عن شكلها الشعاعي، لكن من الأفضل ألا نقول إن المدينة «لم تترك أي مساحة خضراء أو فارغة» بصورة مطلقة؛ فـ«الجنائن» كانت عنصرًا أساسيًا في المشهد الصفاقسي، وما حدث تاريخيًا هو تراجعها وتجزئتها وتكثيف البناء فيها تدريجيًا.

لكن للضيق وجه آخر… وجه دفاعي

هنا نصل إلى الجانب الأكثر إثارة.

فالزقاق الضيق لم يكن بالضرورة مجرد نتيجة لضيق المجال؛ كان يمكن أن يكون عنصرًا مساعدًا في حماية المدينة.

فالمدينة العتيقة محاطة بسور دفاعي ضخم، وقد لعبت أسوار صفاقس وأبراجها دورًا أساسيًا في حماية المدينة عبر تاريخها. وتذكر مصادر حول منظومتها الدفاعية أن الأنهج والأزقة الضيقة كانت تجعل حركة الجنود والغزاة أكثر صعوبة، وتحول المدينة بالنسبة إلى من لا يعرفها إلى ما يشبه المتاهة.

وهذا منطقي من الناحية العسكرية: فالفضاء الواسع يمنح القوة المهاجمة مجالًا للمناورة، بينما يحدّ الممر الضيق من حركة عدد كبير من الأشخاص ويجعل التقدم فيه أكثر صعوبة.

لكن علينا أن نكون دقيقين: لا يمكن القول إن كل زنقة ضيقة في صفاقس صُممت خصيصًا لأغراض دفاعية. الأدق أن نقول إن ضيق الأزقة، ضمن مدينة مسوّرة، كان له أثر دفاعي واستفادت منه المدينة عند تعرضها للخطر.

وهنا تلتقي الوظيفة اليومية بالوظيفة الدفاعية:
فالزقاق الذي كان مناسبًا لحركة السكان داخل المدينة، كان يمكن أن يتحول في زمن الخطر إلى عائق أمام الغريب والمهاجم.

«عنقني»… حين تختصر كلمة واحدة كل الحكاية

وسط كل هذه الأبعاد العمرانية والتاريخية، تبقى «زنقة عنقني» أكثر الأسماء قدرة على إعادة الحكاية إلى الإنسان.

فإذا تقابل شخصان في هذا الممر الضيق، يصبح تجاوز أحدهما للآخر مهمة تحتاج إلى شيء من المهارة والالتصاق بالجدار، حتى يبدو المشهد وكأنهما يتعانقان.

ومن هنا جاءت، في الذاكرة الشعبية، عبارة «عنقني».

إنها ليست تسمية رسمية ولا مصطلحًا معماريًا؛ إنها نكتة صفاقسية حول المكان، تحولت مع الزمن إلى اسم.

أما «الفنطازية»، فتتداول الذاكرة الشعبية تفسيرًا يربطها بطريقة المشي التي يفرضها ضيق الزقاق.

أضيق من أن يكون طريقًا… وأوسع من أن يكون مجرد ممر

ربما تكمن قيمة زنقة الفنطازية في أنها تجعلنا نعيد النظر في مفهوم الزقاق نفسه.

فهو ليس مجرد فراغ بين جدارين.

إنه نتيجة لتاريخ من البناء والسكن والتجارة والحرفة والدفاع، وجزء من نظام اجتماعي كانت المدينة فيه تعيش داخل أسوار محددة، فكان عليها أن توظف مجالها بأكبر قدر ممكن من الكفاءة.

ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى «الفنطازية» باعتبارها غرابة منفردة في المدينة العتيقة؛ بل باعتبارها واحدة من الأمثلة الصغيرة التي تساعدنا على قراءة منطق العمران الصفاقسي.

فالمدينة التي نراها اليوم بطرقها الشعاعية الممتدة كخيوط العنكبوت، وبجنائنها التي تقلصت تدريجيًا أمام زحف البناء، هي امتداد بعيد لمدينة قديمة تعلم أهلها، بحكم ظروفهم، كيف يستثمرون المجال المتاح دون إسراف.

وهكذا، من زنقة لا يتسع فيها الممر لشخصين… إلى مدينة تمتد طرقها شعاعيًا في كل الاتجاهات
محمد المنجة / سبتمبر 2026
www.tuninetinfo.wordpress.com

« قال رحالة إنجليزي : أصلها من صفاقس.. حكاية جبة أنصاف والجبة الحريرية التونسية»حين تُذكر الجبة التونسية، يتبادر إلى الذ...
03/09/2026

« قال رحالة إنجليزي : أصلها من صفاقس.. حكاية جبة أنصاف والجبة الحريرية التونسية»

حين تُذكر الجبة التونسية، يتبادر إلى الذهن غالبًا لباس الرجل التونسي الأنيق، خاصة الجبة الحريرية البيضاء التي أصبحت مع مرور الزمن جزءًا من صورة تونس التقليدية ورمزًا من رموز أناقة الرجل في المناسبات والأعياد والأفراح.

لكن للجبة في صفاقس حكاية أوسع وأقدم مما قد يوحي به هذا التصور.

ففي المدينة العتيقة، وبين الدكاكين والأسواق والحرف التي تناقلت أسرارها الأجيال، عرفت صفاقس الجبة بأشكال مختلفة، ولم تكن حكرًا على الرجال. فقد كانت الجبة النسائية جزءًا من اللباس التقليدي للمرأة الصفاقسية، وبرز منها نموذج مميز عرف باسم «جبة أنصاف» أو «جبة أشطار»، بينما عرفت المدينة أيضًا الجبة الرجالية، وخاصة المصنوعة من الحرير.

ومن هنا تبدأ حكاية تستحق أن تُروى بعيدًا عن الاختصار الذي يجعل الجبة مجرد لباس تونسي تقليدي، إذ تكشف الوثائق والشهادات أن وراء هذا الثوب تاريخًا من الصناعة والذوق والتبادل التجاري والتأثيرات الثقافية.

صفاقس.. مدينة نسجت علاقتها بالحرير والثياب منذ قرون

لم تأت علاقة صفاقس بالملابس والنسيج من فراغ.

فقد اشتهرت المدينة منذ فترات تاريخية قديمة بالحرف المرتبطة بالغزل والنسيج، وكانت صناعاتها التقليدية جزءًا من اقتصادها الحضري. وتشير مصادر تاريخية إلى شهرة صفاقس بالحياكة والنسيج، وإلى تداول الأقمشة والمواد النسيجية في أسواقها.

وقد ساعد موقع المدينة البحري وصلاتها التجارية مع مدن المتوسط والمغرب العربي والمشرق على وصول أنواع مختلفة من الأقمشة والخيوط، وعلى انتقال الأذواق والأنماط والمهارات.

ولذلك فإن ظهور ملابس محلية مميزة في صفاقس لم يكن أمرًا مستغربًا؛ فالمدينة كانت تملك الحرفة، والسوق، والتجارة، والذوق المحلي التي تسمح بتطوير الأزياء وتحويلها إلى جزء من هوية المجتمع.

جبة أنصاف.. نصفان يختزلان خصوصية اللباس الصفاقسي

ومن بين أكثر نماذج الجبة النسائية إثارة للاهتمام في صفاقس «جبة أنصاف»، التي تعرف أيضًا في الذاكرة الشعبية بتسمية «الأشطار».

والاسم نفسه يستوقفنا؛ فهذه الجبة تقوم على تقسيم واضح للثوب إلى لونين أو شطرين، بما يمنحها مظهرًا مميزًا عن كثير من الأزياء النسائية الأخرى.

ولم تكن جبة أنصاف مجرد قطعة احتفالية عابرة، بل وردت ضمن عناصر اللباس التقليدي للمرأة الصفاقسية، إلى جانب قطع أخرى كانت تشكل الزي النسائي في المدينة.

وقد حفظت لنا وثائق وعقود صفاقسية تعود إلى القرن التاسع عشر أسماء قطع اللباس التي كانت تمتلكها النساء، ومن بينها الجبة. والأهم أن الجبة تظهر في وثيقة تعود إلى سنة 1824، ثم تتكرر في وثائق سنوات 1871 و1894 و1905.

وهذه السلسلة الزمنية مهمة جدًا؛ لأنها تكشف أن الجبة لم تكن ظاهرة مؤقتة، وإنما كانت عنصرًا مستقرًا في اللباس الصفاقسي على امتداد عقود.

لماذا تبدو «جبة أنصاف» مهمة في قصة الجبة؟

تكمن أهمية جبة أنصاف في أنها تقدم لنا صورة عن كيفية تحول اللباس العام إلى لباس محلي ذي شخصية خاصة.

فالجبة، باعتبارها تسمية ونوعًا من اللباس، ليست اختراعًا صفاقسيًا بالضرورة؛ إذ إن أشكالًا من الجبب والملابس الواسعة كانت معروفة في مناطق مختلفة من العالم العربي والمغاربي منذ عصور أقدم.

لكن المدن لم تكن ترتدي هذه الملابس بالطريقة نفسها.

كل مجتمع كان يضيف إليها شيئًا من ذوقه: لونًا، أو قماشًا، أو تطريزًا، أو طريقة قص، أو أسلوبًا في ارتدائها.

وهنا يمكن النظر إلى جبة أنصاف باعتبارها واحدة من صور هذا التطور المحلي؛ فقد أخذت الجبة شكلًا يحمل بصمة صفاقسية واضحة، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة المرأة والمدينة.

من جبة النساء إلى جبة الرجال

إذا كانت جبة أنصاف تكشف لنا جانبًا من عالم المرأة الصفاقسية، فإن الجبة الحريرية الرجالية تفتح بابًا آخر من الحكاية.

ففي صفاقس، كما في مدن تونسية أخرى، عرف الرجال الجبة، وخاصة الجبة المصنوعة من الحرير، والتي ارتبطت بالأناقة والمكانة الاجتماعية والمناسبات.

وكان الحرير مادة ثمينة، ولذلك لم تكن الجبة الحريرية مجرد لباس عملي، بل كانت تعكس قدرة صاحبها على اقتناء ثوب فاخر، كما كانت جودة القماش والتطريز والخياطة عناصر تدخل في تحديد قيمتها ومكانتها.

وهكذا أصبحت الجبة جزءًا من مظهر الرجل في المدينة، إلى جانب السروال والقميص والفرملة وغيرها من مكونات الزي التقليدي.

ومع مرور الزمن، تطورت الجبة الرجالية لتصبح واحدة من أبرز قطع اللباس التقليدي التونسي، بينما أخذت الجبة النسائية مسارًا مختلفًا، وتراجعت تدريجيًا أمام انتشار الملابس الأوروبية الحديثة.

رحالة إنجليزي في صفاقس يفتح باب السؤال

لكن أكثر ما يجعل علاقة صفاقس بالجبة مثيرة للاهتمام هو شهادة الرحالة الإنجليزي إدوارد راي Edward Rae في القرن التاسع عشر.

فقد زار راي صفاقس، ووصف مشهدًا من صناعة النسيج فيها، ولاحظ أشخاصًا يغزلون الحرير ويصنعون منه الجبة المعروفة في بلاد المغرب.

ثم كتب عبارة بالغة الأهمية، نقلها المعهد الوطني للتراث:

«وأعتقد أن أصلها من صفاقس.»

هذه الجملة القصيرة أعطت للموضوع بعدًا آخر.

فراي لم يكتف بملاحظة أن الجبة موجودة في صفاقس، وإنما شاهد صناعتها من الحرير، ثم عبّر عن اعتقاده بأن أصلها من المدينة.

لكن كلمة «أعتقد» هنا مهمة جدًا.

فالرحالة يقدم لنا شهادة وملاحظة شخصية، وليس وثيقة تاريخية تثبت بصورة قاطعة أن الجبة اخترعت في صفاقس.

ومع ذلك، تبقى شهادته ذات قيمة كبيرة؛ لأنها صادرة عن شخص شاهد صناعة الجبة في المدينة بنفسه في القرن التاسع عشر.

1824 قبل راي.. والجبة موجودة في صفاقس

والأجمل في هذه القصة أن شهادة راي لا تقف وحدها.

فوثائق الزي الصفاقسي التي تعود إلى 1824 تسبق راي بنحو نصف قرن، وتثبت وجود الجبة ضمن الملابس التي كانت تمتلكها نساء صفاقس.

ثم تظهر الجبة في وثائق لاحقة تعود إلى 1871 و1894 و1905.

وهكذا تتشكل أمامنا صورة متماسكة:

وثيقة سنة 1824 → استمرار الجبة في وثائق القرن التاسع عشر → شهادة إدوارد راي سنة 1877 عن صناعة الجبة الحريرية في صفاقس.

وهذا التسلسل لا يثبت وحده أن صفاقس هي «مهد الجبة» بمعناها المطلق، لكنه يؤكد أن للجبة حضورًا عميقًا ومستمرًا في الحياة الاجتماعية الصفاقسية، وأن المدينة كانت مركزًا لصناعتها وتطوير أشكال منها.

هل كانت الجبة صفاقسية الأصل؟

هنا يجب أن نترك الباب مفتوحًا أمام البحث التاريخي.

فمن الخطأ أن نقول إن الجبة التونسية اخترعتها صفاقس دون تحفظ، لأن لفظ «الجبة» وأشكالًا من هذا اللباس كانت معروفة في العالم الإسلامي والمغاربي قبل العصر الحديث، كما أن تاريخ الملابس في تونس تأثر بعوامل عديدة، من بينها التراث المغاربي والتأثير الأندلسي والعلاقات التجارية مع المشرق.

لكن الخطأ المقابل هو تجاهل الشواهد الصفاقسية.

فلدينا مدينة عرفت صناعة النسيج منذ عهود قديمة، ووثائق من القرن التاسع عشر تثبت وجود الجبة ضمن لباس أهلها، ونماذج نسائية محلية مثل جبة أنصاف، وشهادة رحالة أوروبي شاهد صناعة الجبة الحريرية في المدينة وكتب أنه يعتقد أن أصلها منها.

لذلك تبدو العبارة الأكثر دقة:

لم تثبت الوثائق حتى الآن أن صفاقس اخترعت الجبة التونسية، لكنها تقدم قرائن قوية على أن المدينة كانت أحد المراكز المهمة في تاريخ الجبة وتطورها، وأنها طورت نماذج نسائية ورجالية خاصة بها، وحافظت على صناعة الجبة الحريرية إلى جانب تقاليدها النسيجية العريقة.

جبة أنصاف والجبة الرجالية.. مساران في ثوب واحد

وهنا تظهر المفارقة الجميلة.

جبة أنصاف تنتمي أساسًا إلى عالم المرأة الصفاقسية وخصوصية لباسها التقليدي، وهي نموذج يرتبط باللونين وبالذاكرة المحلية.

أما الجبة الحريرية الرجالية فقد ارتبطت بعالم الرجل وأناقة اللباس الحضري، ثم تجاوزت حدود المدن وأصبحت مع الزمن واحدة من أشهر رموز اللباس التونسي.

وبين الاثنين خيط واحد:

النسيج والحرير والحرفة والذوق الصفاقسي.

فالجبة لم تكن في صفاقس مجرد ثوب يُرتدى، وإنما كانت نتاج منظومة كاملة من الحرفيين والنساجين والخياطين والتجار والنساء اللواتي حافظن على اللباس وطورنه، والرجال الذين ارتدوه في الحياة اليومية والمناسبات.

من ثوب صفاقسي إلى رمز تونسي

ربما لا تكمن أهمية صفاقس في أنها تستطيع أن تقول ببساطة: «الجبة لنا».

الأهم أن تاريخها يكشف كيف يمكن لمدينة أن تستقبل عناصر ثقافية مشتركة، ثم تعيد صياغتها وفق خصوصيتها.

فالجبة التي عرفتها مناطق مختلفة من تونس لم تكن بالضرورة نسخة واحدة. وفي صفاقس اكتسبت أشكالًا وألوانًا وخامات وتقاليد خاصة، بينما تطورت في المدن الأخرى وفق أذواقها وبيئاتها.

وهكذا يمكن النظر إلى تاريخ الجبة التونسية باعتباره تاريخًا مشتركًا ساهمت فيه مدن ومناطق عديدة، وكانت صفاقس واحدة من حلقاته المهمة.

أما جبة أنصاف، أو «الأشطار»، فتبقى شاهدًا صفاقسيًا خاصًا على هذا التاريخ؛ قطعة لباس نسائية تكاد تختصر في لونين حكاية مدينة كاملة، مدينة عرفت كيف تجعل من النسيج والحرير والحرفة جزءًا من ذاكرتها.

الخلاصة

بين جبة أنصاف النسائية والجبة الحريرية الرجالية تمتد حكاية صفاقسية تستحق مزيدًا من البحث.

فوثائق تعود إلى 1824 تثبت وجود الجبة ضمن لباس المرأة الصفاقسية، وشهادات القرن التاسع عشر تكشف استمرارها، بينما يقدم الرحالة الإنجليزي إدوارد راي سنة 1877 شهادة مباشرة عن صناعة الجبة الحريرية في صفاقس، مضيفًا: «وأعتقد أن أصلها من صفاقس».

وقد لا تكون هذه العبارة وحدها كافية لإعلان أن صفاقس هي مسقط رأس الجبة التونسية، لكنها بالتأكيد تجعل المدينة طرفًا أساسيًا في قصة هذا اللباس.

ولعل أجمل ما في الحكاية أن صفاقس لم تحفظ الجبة في شكل واحد؛ فقد تركت لنا جبة أنصاف النسائية بخصوصيتها وألوانها، كما عرفت الجبة الحريرية الرجالية التي ستصبح لاحقًا جزءًا من صورة الرجل التونسي.

وهكذا، فإن البحث عن أصل الجبة يقودنا في النهاية إلى اكتشاف شيء أكبر: تاريخ صفاقس نفسها، مدينةٍ نسجت جزءًا من ذاكرتها بخيوط الحرير.

المراجع
المعهد الوطني للتراث – صفاقس: معلومات تاريخية عن المدينة وحرفها وشهادة إدوارد راي حول الجبة وصناعة الحرير. المعهد الوطني للتراث – صفاقس
Cahiers des Arts et Traditions Populaires، دراسة في الزي الصفاقسي ووثائقه، وتتضمن نماذج موثقة تعود إلى 1824 و1871 و1894 و1905. الدراسة – المعهد الوطني للتراث PDF
Edward Rae, The Country of the Moors، لندن، 1877، المصدر الأصلي لشهادة الرحالة حول الجبة وصناعتها.
T. Wemyss Reid, The Land of the Bey، 1882، ومن شهاداته وصف الجبة ضمن لباس رجال تونس. النص الكامل للكتاب – Project Gutenberg
دراسات ومراجع حول الأزياء التقليدية النسائية في تونس، ومنها النماذج الجهوية لجبة أنصاف والجبة الصفاقسية. عرض حول الأزياء التقليدية التونسية
محمد المنجة سبتمبر 2026 www.tuninet.wordpress.com

اليوم دخول الخريف ونهاية أوسو: أسماك "باب الجبلي" الصبارص سيد الميدان مع حلول الثلاثين من أوت، يُعلن التقويم الفلاحي الت...
30/08/2026

اليوم دخول الخريف ونهاية أوسو: أسماك "باب الجبلي" الصبارص سيد الميدان
مع حلول الثلاثين من أوت، يُعلن التقويم الفلاحي التونسي عن طي صفحة "الأوسو" وشدة حرارتها، ليدخل فصل الخريف محملًا بنسمات بحرية تغير وجه الحياة في مدينة صفاقس. وفي هذه المدينة التي تنبض على إيقاع البحر، لا يُقاس تبدل الفصول بالطقس وحده، بل يتجلى بوضوح على طاولات "سوق باب الجبلي" الشهير، حيث يعرف الصفاقسي بذكائه الموروث وشغفه بأسماك كل موسم، أن لكل فترة من السنة صيدها المميز ونكهتها الخاصة.

خريطة أسماك الخريف في الذاكرة الصفاقسية

يعشق الصفاقسي أكل السمك ويتفنن في إعداده، ويحرص على أن يزين موائده بما يجود به البحر في وقته الطبيعي. ومع بداية الخريف، تتنوع المعروضات في باب الجبلي لتشمل:

الوراطة البحرية (Daurade): وهي ملكة الأسماك وأفخرها، وتصل ذروة جودتها وطعمها الطبيعي في شهر أكتوبر.

عائلة الميلة والبوراي: تتنوع في السوق بين "الميلة الصفراء" و"المشته" (التي يمتد موسمها من الصيف إلى سبتمبر وأكتوبر)، و"الجفاو" و"الكرشو" اللذين يواصلان الحضور من الصيف إلى الخريف.

المداس (Sole): يعود للظهور بقوة خلال شهري سبتمبر وأكتوبر بعد فترة انقطاع صيفية.

أنواع أخرى: تحافظ أسماك المناني، والشلبة (الشوشة)، والحمام (Petite raie)، والأحناش (Anguille) على حضورها المحبب لدى عُشاق المرقة والكسكسي الصفاقسي.

صبارص الخريف: سر العبارة الشعبية وحكايتها

على الرغم من تنوع الأسماك، يبقى لسمك "الصبارص" مكانة استثنائية في الذاكرة الغذائية والتجارية لصفاقس، إذ يجسد فلسفة أهالي المدينة في ربط جودة السمك بمصدره وموسمه.

فإذا كان فصل الصيف ارتبط جغرافيًا بـ "صبارص جربة" (ولا سيما صبارص سيدي جمور المطلوب لمشويات الصيف)، فإن الخريف هو فصل العودة إلى الأصل، حيث يُرفع الشعار الشهير في السوق: "وصبارص صفاقس في الخريف".

تنوع في منتوج الصبارص

مع تغير الفصل، تتغير خريطة الصيد، وتبدأ الشرافي وسواحل صفاقس بالتخلي عن هدوء الصيف لتمنح السوق أجود أنواع "صبارص الغرل" المخصص لـ "مرقة الخريف". كما تشهد الأسواق انتقالًا تدريجيًا نحو أنواع أخرى مثل "صبارص البيبان" بداية من أكتوبر وحتى منتصف نوفمبر.

هذه العلاقة بين الموسم والمصدر لا تعني دائمًا اختلافًا علمياً في نوع السمكة، بقدر ما تعبر عن دراية عميقة لدى الصياد والزبون الصفاقسي بأن البحر نفسه يتغير؛ فتتغير مناطق الصيد، ويزداد سمك السواحل المحلية دسمًا ولذة مع تراجع الحرارة. ليبقى "صبارص الخريف" في باب الجبلي الشاهد الأول على دخول فصل جديد، والعنوان الأبرز للمائدة الصفاقسية الأصيلة.
محمد المنجة أوت 2026 www.tuninetinfo.wordpress.com

من الزاوية إلى المئذنة... 4 قرون من ذاكرة صفاقس في جامع سيدي عمر كمونفي أحد أركان المدينة العتيقة بصفاقس، وبالقرب من الس...
29/08/2026

من الزاوية إلى المئذنة... 4 قرون من ذاكرة صفاقس في جامع سيدي عمر كمون
في أحد أركان المدينة العتيقة بصفاقس، وبالقرب من السور الجنوبي وبنهج برج النار، يقف جامع سيدي عمر كمون شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة، جامعٌ تختزن جدرانه ومئذنته حكايات الدين والعمارة والبحر، وتحمل نقوشه أسماء رجال ساهموا في بناء ذاكرة صفاقس المعمارية.

تعود بداية المعلم إلى سنة **1630م**، حين أُقيمت الزاوية على يد سيدي عمر كمون، قبل أن تضاف إليها المئذنة سنة **1659م**. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت الصومعة إحدى العلامات المميزة لأفق المدينة العتيقة.

# # مئذنة مختلفة عن المألوف

ما يلفت الانتباه في جامع سيدي عمر كمون هو مئذنته ذات التكوين الرباعي، التي تتميز بزخارفها وأقواسها ونقوشها القرآنية وأعمدتها، لتقدم نموذجاً خاصاً من العمارة الدينية في صفاقس خلال القرن السابع عشر.

لكن قيمة المئذنة لا تكمن في هندستها فقط، بل أيضاً في **النقائش الحجرية** التي تحفظ جانباً من تاريخها. فالواجهة الشمالية تضم لوحتين من الحجر تحملان كتابات تؤرخ للمعلم وتذكر أسماء الأشخاص المرتبطين ببنائه.

# # عندما يتحدث الحجر عن آل المنيف

تقودنا هذه النقائش إلى اسم عائلة ارتبط تاريخها طويلاً بفن البناء في صفاقس: **آل المنيف**.

وتنسب المصادر بناء مئذنة سيدي عمر كمون إلى المعلمين **محمد بن أحمد بن الحاج علي المنيف وشقيقه القاسم**، وهما من الأسماء التي ارتبطت بحرفة البناء في المدينة.

ولم تتوقف بصمة العائلة عند هذه المئذنة، فقد ارتبط اسم عدد من أفرادها بأعمال معمارية أخرى في المدينة العتيقة، من بينها محراب الجامع الكبير وأعمال ترميم في بعض أبواب المدينة.

وهكذا تتحول مئذنة سيدي عمر كمون إلى أكثر من معلم ديني؛ إنها أيضاً شاهد على الدور الذي لعبته عائلات البنائين في تشكيل شخصية صفاقس العمرانية.

# # مئذنة تطل على البحر

اختير موقع الجامع بالقرب من السور الجنوبي للمدينة العتيقة، في منطقة ترتبط تاريخياً بالواجهة البحرية وباب الديوان.

وقد منح هذا الموقع المرتفع للمئذنة مجال رؤية واسعاً باتجاه البحر، في مدينة كانت حياتها الاقتصادية والاجتماعية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمجال البحري.

ومن الصعب الجزم بأن المئذنة شُيدت أصلاً لأغراض عسكرية، لكن موقعها جعلها بلا شك جزءاً من المشهد البصري والاستراتيجي للمدينة، إلى جانب وظيفتها الدينية الأساسية.

# # زاوية ومقام وذاكرة صفاقسية

ولا تقتصر أهمية المكان على الجامع والمئذنة، فقد ارتبطت الزاوية أيضاً بمقام سيدي عمر كمون وبذاكرة عدد من رجال الدين والصلاح الذين ارتبطت أسماؤهم بالمكان عبر الزمن.

وهكذا حافظ المعلم على وظيفته الدينية والروحية، وفي الوقت نفسه أصبح شاهداً على تطور المدينة العتيقة وتداخل العمارة مع الحياة الاجتماعية والدينية للصفاقسيين.

# # # صفاقس... مدينة تقرأ تاريخها في حجارتها

قد لا يكون جامع سيدي عمر كمون من أكبر معالم المدينة العتيقة، لكنه من أكثرها قدرة على اختصار تاريخ صفاقس في مساحة صغيرة.

**زاوية عمرها قرابة أربعة قرون، مئذنة فريدة، نقائش تحفظ أسماء البنائين، وموقع يطل على المجال البحري...**

إنها عناصر تجعل من جامع سيدي عمر كمون صفحة حية من تاريخ صفاقس، وتؤكد أن المدينة العتيقة ليست مجرد أسوار وأسواق وأبواب، بل **ذاكرة معمارية ما تزال تتحدث إلى من يعرف كيف يقرأ الحجر.**

بقلم محمد المنجة www.tuninetinfo.woerpress.com

المعهد الوطني للتراث (INP) – تونس
لطفي عبد الجواد وفوزي محفوظ، «مجموعة النقوش العربية للآثار الإسلامية بصفاقس» (Corpus des inscriptions arabes des monuments islamiques de Sfax)، دار الأمل.
أبو بكر عبد الكافي، «تاريخ صفاقس»، الجزء الأول، 1966، ص. 155.
محمود مقديش، «نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار»، الجزء الثاني، ص. 449–453.
موقع «تاريخ صفاقس» – ملف عائلة المنيف
زاهر كمون – «زاوية سيدي عمر كمون»
زاهر كمون – «عائلة المنيف بصفاقس»

 # صفاقس: سيدي مخلوف الشرياني.. الولي العلوي الشريف الذي ترك بصمته في تاريخ الجهة في العامرة، شمال صفاقس، لا يمثل مقام س...
27/08/2026

# صفاقس: سيدي مخلوف الشرياني.. الولي العلوي الشريف الذي ترك بصمته في تاريخ الجهة

في العامرة، شمال صفاقس، لا يمثل مقام سيدي مخلوف الشرياني مجرد معلم ديني يقصده الزائرون، وإنما هو شاهد على مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة، وعلى شخصية عالم وصالح ارتبط اسمه بالعلم والتصوف والتعليم وبالذاكرة الاجتماعية لعدد كبير من العائلات.

وتكتسب شخصية سيدي مخلوف الشرياني أهمية خاصة من كون المصادر التي ترجمت له تصفه صراحة بـ **«مخلوف الشرياني الشريف»**، بينما تؤكد مصادر أخرى أن نسبه يعود إلى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن طريق الإمام علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنهما.

# # نسب شريف واختلاف في تفاصيل السلسلة

تذكر مصادر تونسية أن سيدي مخلوف الشرياني من السلالة النبوية، وأن نسبه يعود إلى الإمام علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما تؤكد جريدة الشروق التونسية أن الروايات تختلف في بعض تفاصيل سلسلة النسب، لكنها تتفق على أصل النسب الشريف العلوي.

أما بعض الروايات العائلية المتداولة بين أحفاده فتورد سلسلة نسب أكثر تفصيلًا، من بينها: **مخلوف بن علي بن عبد المؤمن بن عبد المقصود بن الحسن بن الحسين الشريف الشرياني**.

ومن الناحية التاريخية، من الأفضل التعامل مع اختلاف الروايات في أسماء الأجداد باعتباره موضوعًا يحتاج إلى تحقيق وثائقي، دون أن يلغي ذلك ما أوردته المصادر التي وصفته صراحة بالشريف والعلوي.

وهكذا تظل شجرة نسب سيدي مخلوف مجالًا خصبًا للبحث في المخطوطات القديمة، وشجرات الأنساب، ووثائق الأوقاف والعقود العائلية التي يمكن أن تساعد على ضبط السلسلة كاملة.

# # من المغرب إلى إفريقية

تجمع المصادر التي ترجمت للشيخ على أنه ** جاء إلى صفاقس قادما من المغرب **، وأنه عاش في القرن الثامن للهجرة، الموافق للقرن الرابع عشر ميلاديًا. وتذكر ترجمته أنه صحب الشيخ العياشي بطبلبة، وكان من «أكابر الصالحين والعلماء العاملين»، قبل أن يسكن شربانة قرب جبنيانة، ثم ينتقل إلى أنشلة ( أنشلة (Inchila / Enchila): هي الموقع التاريخي الذي ارتبط بسيدي مخلوف الشرياني، / منطقة العامرة الحالية،شرقي صفاقس.

وهذه المعطيات تجعل سيرته مرتبطة بجغرافيا واسعة تمتد من المغرب إلى إفريقية، ثم إلى منطقة صفاقس، حيث أصبح اسمه جزءًا من تاريخ المكان وذاكرة السكان.

# # عالم وفقيه ومربٍّ

تصف المصادر سيدي مخلوف بأنه من العلماء والصالحين العاملين، ولم يكن دوره مقتصرًا على الجانب الروحي.

وتذكر روايات محلية أن زاويته كانت فضاءً لتعليم القرآن الكريم والحديث والتفسير والعلوم الدينية، وأنها استقطبت طلبة للعلم والإقامة. وقد حافظت الذاكرة المحلية على صورته باعتباره شيخًا عالمًا يجمع بين المعرفة الدينية والعمل الاجتماعي.

كما أن الجانب الأدبي من شخصيته لم يكن غائبًا؛ فقد حفظت له المصادر أثرًا أدبيًا يتمثل في **تخميس على بردة المديح**، وهو ما يؤكد صلته بالأدب الصوفي والثقافة الدينية في عصره.

سيدي مخلوف الشرياني.. العالم الذي تولّى القضاء

لم يكن سيدي مخلوف الشرياني معروفًا بالصلاح والتصوف فحسب، بل ارتبطت سيرته أيضًا بالعلم والقضاء. وتذكر الروايات المتداولة حول حياته أنه تولّى خطة القضاء في إفريقية، وهي منزلة لم تكن تُسند في ذلك العصر إلا إلى من عُرف بالعلم والفقه وحسن السيرة. وتروي الرواية أن قدومه إلى البلاد التونسية جاء بعد رحلة في طلب العلم، وأنه استقر في رباطات المنطقة ثم اضطلع بدور ديني وتعليمي وقضائي بين الأهالي.

وتنسجم هذه الصورة مع ما أوردته كتب التراجم القديمة والحديثة من وصفه بأنه من أكابر الصالحين والعلماء العاملين، ومع ما عُرف عنه من اشتغال بالعلم والتدريس والتصوف. أما تفاصيل تعيينه قاضيًا والجهة التي أسندت إليه هذه الخطة، فتظل بحاجة إلى وثيقة تاريخية صريحة لتحديدها بدقة، وهو ما يجعلها مجالًا جديرًا بمزيد من البحث في سجلات القضاء والمصادر الحفصية.

وإذا ثبتت رواية توليه القضاء، فإن ذلك يضيف بعدًا مهمًا إلى شخصية سيدي مخلوف الشرياني، إذ يجمع في سيرته بين العلم والقضاء والتصوف والإصلاح الاجتماعي، وهي أدوار تفسر إلى حد كبير المكانة التي احتلها في ذاكرة أهالي العامرة وصفاقس، واستمرار حضوره بعد قرون من وفاته.

# # من الزاوية إلى المجال الاجتماعي

تروي المصادر المحلية أن سيدي مخلوف لم يكن عالمًا منعزلًا عن الحياة اليومية للسكان، بل ارتبط اسمه بإدارة الأراضي وتشجيع الأهالي على استصلاحها وإحيائها، وبالانتفاع من مواردها في خدمة المجتمع ومساعدة الفقراء والمحتاجين.

كما تنسب إليه روايات محلية تنظيم العلاقة بين العائلات وتشجيع النشاط الفلاحي، خصوصًا في مجال زراعة الزيتون، وهو ما يعكس صورة الولي العالم الذي كان يؤدي وظيفة دينية واجتماعية في آن واحد.

وتبقى هذه الجوانب بحاجة إلى مزيد من التحقيق في الوثائق الوقفية والعقود القديمة حتى يمكن تحديد ما هو ثابت تاريخيًا منها وما تناقلته الذاكرة الشعبية عبر الأجيال.

# # ذريته وانتشار العائلات

ارتبط اسم سيدي مخلوف كذلك بعدد من العائلات في صفاقس والمناطق المجاورة.كالمخلوفي في ساقية الدائر كما يذكر محمد محفوظ في *تراجم المؤلفين التونسيين* أن من أعقابه كذلك **أسرة مخلوف بالمنستير، وعبد المقصود بصفاقس، وفرعًا من أسرة عبد الكافي**، وهو ما يبرز امتداد ذريته خارج المكان الذي ارتبط به مقامه.

وتضيف الروايات المحلية تفاصيل أخرى عن أبنائه وامتداد ذريته بين العامرة وسافية الدائر وجبنيانة وقرقنة، وهي معطيات يمكن أن تشكل أساسًا لبحث أنسابي واجتماعي مهم حول العائلات التي تنتسب إلى سيدي مخلوف الشرياني.

# # «أولاد سيدي».. نسبٌ ما زال حيًا في الذاكرة والعائلة

لا يزال امتداد سيدي مخلوف الشرياني حاضرًا في عائلات صفاقس إلى اليوم، ومن الشهادات العائلية المباشرة على ذلك عائلة **المخلوفي**. فقد كان **احمد المخلوفي** يقيم بمركز السبعي من معتمدية ساقية الدائر، حيث كان يمتلك جنانًا وبرجًا سكنيًا، ولا يزال أبناؤه وأحفاده يقيمون في الجنان نفسه ويحافظون على صلة العائلة بالمكان. ووفق ما توارثته العائلة، فإن أحمد المخلوفي ينتسب إلى سيدي مخلوف الشرياني، كما كانت للعائلة ممتلكات فلاحية ومعصرة للزيتون في العامرة. ولعل أكثر ما يؤكد حضور هذا الانتساب في الذاكرة الشعبية أن أهالي العامرة كانوا وما زالوا يطلقون على أفراد هذه العائلة تسمية **«أولاد سيدي»**، في إشارة إلى سيدي مخلوف الشرياني. وهذه الشهادة ليست منقولة عن مصدر بعيد، وإنما هي جزء من ذاكرة عائلية بما يجعلها شاهدًا حيًا على استمرار حضور سيدي مخلوف في النسيج الاجتماعي والعائلي لجهة صفاقس.

# # مقام أصبح ذاكرة للمكان

ومع مرور القرون، تحول مقام سيدي مخلوف الشرياني إلى جزء من هوية المنطقة. ولم يعد المكان مرتبطًا بالزيارة والتبرك فقط، بل أصبح فضاءً تختزن فيه الذاكرة المحلية قصص الأجداد والعائلات والعلماء والطلبة والزائرين.

وهكذا انتقل اسم الرجل من كتب التراجم إلى الجغرافيا، ومن الزاوية إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الحياة الثقافية المعاصرة.

# # سيدي مخلوف.. صفحة من تاريخ صفاقس

تكشف سيرة سيدي مخلوف الشرياني عن جانب مهم من تاريخ صفاقس في العصور الوسطى؛ تاريخ كانت فيه الرباطات والزوايا مراكز للعلم والعبادة والتربية، وكانت الشخصيات الدينية تؤدي أدوارًا تتجاوز الوعظ إلى التعليم والإصلاح والعمل الاجتماعي.

**إن مقام سيدي مخلوف الشرياني ليس مجرد ضريح في العامرة، بل وثيقة حية من وثائق تاريخ صفاقس، تختزن في جدرانها وحكاياتها قرونًا من العلم والتصوف والعمران والأنساب.**
محمد المنجة www.tuninetinfo.wordpress.com
المراجع المعتمدة
شاهادات حية لأفراد من العائلة
محمد محفوظ، تراجم المؤلفين التونسيين، الجزء الثالث، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1994، ص. 174.
محمود بن سعيد مقديش، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، الجزء الثاني.
جريدة الشروق التونسية، «الشيخ مخلوف الشرياني... أبرز علماء صفاقس في العصر الوسيط»، 15 سبتمبر 2019.
جريدة الشروق التونسية، «سيدي مخلوف العلوي الشريف: علم الناس القرآن والحديث والأذكار الصوفية»، 19 أبريل 2023.
محمد الحبيب السلامي، «علم عاش في صفاقس ثم ودع: الشاذلي بن الصادق عبد المقصود»، الصريح، 2024.

Address

Sfax
Sfax
3000

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Tuninet.com posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Business

Send a message to Tuninet.com:

Shortcuts

Share