03/09/2026
« قال رحالة إنجليزي : أصلها من صفاقس.. حكاية جبة أنصاف والجبة الحريرية التونسية»
حين تُذكر الجبة التونسية، يتبادر إلى الذهن غالبًا لباس الرجل التونسي الأنيق، خاصة الجبة الحريرية البيضاء التي أصبحت مع مرور الزمن جزءًا من صورة تونس التقليدية ورمزًا من رموز أناقة الرجل في المناسبات والأعياد والأفراح.
لكن للجبة في صفاقس حكاية أوسع وأقدم مما قد يوحي به هذا التصور.
ففي المدينة العتيقة، وبين الدكاكين والأسواق والحرف التي تناقلت أسرارها الأجيال، عرفت صفاقس الجبة بأشكال مختلفة، ولم تكن حكرًا على الرجال. فقد كانت الجبة النسائية جزءًا من اللباس التقليدي للمرأة الصفاقسية، وبرز منها نموذج مميز عرف باسم «جبة أنصاف» أو «جبة أشطار»، بينما عرفت المدينة أيضًا الجبة الرجالية، وخاصة المصنوعة من الحرير.
ومن هنا تبدأ حكاية تستحق أن تُروى بعيدًا عن الاختصار الذي يجعل الجبة مجرد لباس تونسي تقليدي، إذ تكشف الوثائق والشهادات أن وراء هذا الثوب تاريخًا من الصناعة والذوق والتبادل التجاري والتأثيرات الثقافية.
صفاقس.. مدينة نسجت علاقتها بالحرير والثياب منذ قرون
لم تأت علاقة صفاقس بالملابس والنسيج من فراغ.
فقد اشتهرت المدينة منذ فترات تاريخية قديمة بالحرف المرتبطة بالغزل والنسيج، وكانت صناعاتها التقليدية جزءًا من اقتصادها الحضري. وتشير مصادر تاريخية إلى شهرة صفاقس بالحياكة والنسيج، وإلى تداول الأقمشة والمواد النسيجية في أسواقها.
وقد ساعد موقع المدينة البحري وصلاتها التجارية مع مدن المتوسط والمغرب العربي والمشرق على وصول أنواع مختلفة من الأقمشة والخيوط، وعلى انتقال الأذواق والأنماط والمهارات.
ولذلك فإن ظهور ملابس محلية مميزة في صفاقس لم يكن أمرًا مستغربًا؛ فالمدينة كانت تملك الحرفة، والسوق، والتجارة، والذوق المحلي التي تسمح بتطوير الأزياء وتحويلها إلى جزء من هوية المجتمع.
جبة أنصاف.. نصفان يختزلان خصوصية اللباس الصفاقسي
ومن بين أكثر نماذج الجبة النسائية إثارة للاهتمام في صفاقس «جبة أنصاف»، التي تعرف أيضًا في الذاكرة الشعبية بتسمية «الأشطار».
والاسم نفسه يستوقفنا؛ فهذه الجبة تقوم على تقسيم واضح للثوب إلى لونين أو شطرين، بما يمنحها مظهرًا مميزًا عن كثير من الأزياء النسائية الأخرى.
ولم تكن جبة أنصاف مجرد قطعة احتفالية عابرة، بل وردت ضمن عناصر اللباس التقليدي للمرأة الصفاقسية، إلى جانب قطع أخرى كانت تشكل الزي النسائي في المدينة.
وقد حفظت لنا وثائق وعقود صفاقسية تعود إلى القرن التاسع عشر أسماء قطع اللباس التي كانت تمتلكها النساء، ومن بينها الجبة. والأهم أن الجبة تظهر في وثيقة تعود إلى سنة 1824، ثم تتكرر في وثائق سنوات 1871 و1894 و1905.
وهذه السلسلة الزمنية مهمة جدًا؛ لأنها تكشف أن الجبة لم تكن ظاهرة مؤقتة، وإنما كانت عنصرًا مستقرًا في اللباس الصفاقسي على امتداد عقود.
لماذا تبدو «جبة أنصاف» مهمة في قصة الجبة؟
تكمن أهمية جبة أنصاف في أنها تقدم لنا صورة عن كيفية تحول اللباس العام إلى لباس محلي ذي شخصية خاصة.
فالجبة، باعتبارها تسمية ونوعًا من اللباس، ليست اختراعًا صفاقسيًا بالضرورة؛ إذ إن أشكالًا من الجبب والملابس الواسعة كانت معروفة في مناطق مختلفة من العالم العربي والمغاربي منذ عصور أقدم.
لكن المدن لم تكن ترتدي هذه الملابس بالطريقة نفسها.
كل مجتمع كان يضيف إليها شيئًا من ذوقه: لونًا، أو قماشًا، أو تطريزًا، أو طريقة قص، أو أسلوبًا في ارتدائها.
وهنا يمكن النظر إلى جبة أنصاف باعتبارها واحدة من صور هذا التطور المحلي؛ فقد أخذت الجبة شكلًا يحمل بصمة صفاقسية واضحة، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرة المرأة والمدينة.
من جبة النساء إلى جبة الرجال
إذا كانت جبة أنصاف تكشف لنا جانبًا من عالم المرأة الصفاقسية، فإن الجبة الحريرية الرجالية تفتح بابًا آخر من الحكاية.
ففي صفاقس، كما في مدن تونسية أخرى، عرف الرجال الجبة، وخاصة الجبة المصنوعة من الحرير، والتي ارتبطت بالأناقة والمكانة الاجتماعية والمناسبات.
وكان الحرير مادة ثمينة، ولذلك لم تكن الجبة الحريرية مجرد لباس عملي، بل كانت تعكس قدرة صاحبها على اقتناء ثوب فاخر، كما كانت جودة القماش والتطريز والخياطة عناصر تدخل في تحديد قيمتها ومكانتها.
وهكذا أصبحت الجبة جزءًا من مظهر الرجل في المدينة، إلى جانب السروال والقميص والفرملة وغيرها من مكونات الزي التقليدي.
ومع مرور الزمن، تطورت الجبة الرجالية لتصبح واحدة من أبرز قطع اللباس التقليدي التونسي، بينما أخذت الجبة النسائية مسارًا مختلفًا، وتراجعت تدريجيًا أمام انتشار الملابس الأوروبية الحديثة.
رحالة إنجليزي في صفاقس يفتح باب السؤال
لكن أكثر ما يجعل علاقة صفاقس بالجبة مثيرة للاهتمام هو شهادة الرحالة الإنجليزي إدوارد راي Edward Rae في القرن التاسع عشر.
فقد زار راي صفاقس، ووصف مشهدًا من صناعة النسيج فيها، ولاحظ أشخاصًا يغزلون الحرير ويصنعون منه الجبة المعروفة في بلاد المغرب.
ثم كتب عبارة بالغة الأهمية، نقلها المعهد الوطني للتراث:
«وأعتقد أن أصلها من صفاقس.»
هذه الجملة القصيرة أعطت للموضوع بعدًا آخر.
فراي لم يكتف بملاحظة أن الجبة موجودة في صفاقس، وإنما شاهد صناعتها من الحرير، ثم عبّر عن اعتقاده بأن أصلها من المدينة.
لكن كلمة «أعتقد» هنا مهمة جدًا.
فالرحالة يقدم لنا شهادة وملاحظة شخصية، وليس وثيقة تاريخية تثبت بصورة قاطعة أن الجبة اخترعت في صفاقس.
ومع ذلك، تبقى شهادته ذات قيمة كبيرة؛ لأنها صادرة عن شخص شاهد صناعة الجبة في المدينة بنفسه في القرن التاسع عشر.
1824 قبل راي.. والجبة موجودة في صفاقس
والأجمل في هذه القصة أن شهادة راي لا تقف وحدها.
فوثائق الزي الصفاقسي التي تعود إلى 1824 تسبق راي بنحو نصف قرن، وتثبت وجود الجبة ضمن الملابس التي كانت تمتلكها نساء صفاقس.
ثم تظهر الجبة في وثائق لاحقة تعود إلى 1871 و1894 و1905.
وهكذا تتشكل أمامنا صورة متماسكة:
وثيقة سنة 1824 → استمرار الجبة في وثائق القرن التاسع عشر → شهادة إدوارد راي سنة 1877 عن صناعة الجبة الحريرية في صفاقس.
وهذا التسلسل لا يثبت وحده أن صفاقس هي «مهد الجبة» بمعناها المطلق، لكنه يؤكد أن للجبة حضورًا عميقًا ومستمرًا في الحياة الاجتماعية الصفاقسية، وأن المدينة كانت مركزًا لصناعتها وتطوير أشكال منها.
هل كانت الجبة صفاقسية الأصل؟
هنا يجب أن نترك الباب مفتوحًا أمام البحث التاريخي.
فمن الخطأ أن نقول إن الجبة التونسية اخترعتها صفاقس دون تحفظ، لأن لفظ «الجبة» وأشكالًا من هذا اللباس كانت معروفة في العالم الإسلامي والمغاربي قبل العصر الحديث، كما أن تاريخ الملابس في تونس تأثر بعوامل عديدة، من بينها التراث المغاربي والتأثير الأندلسي والعلاقات التجارية مع المشرق.
لكن الخطأ المقابل هو تجاهل الشواهد الصفاقسية.
فلدينا مدينة عرفت صناعة النسيج منذ عهود قديمة، ووثائق من القرن التاسع عشر تثبت وجود الجبة ضمن لباس أهلها، ونماذج نسائية محلية مثل جبة أنصاف، وشهادة رحالة أوروبي شاهد صناعة الجبة الحريرية في المدينة وكتب أنه يعتقد أن أصلها منها.
لذلك تبدو العبارة الأكثر دقة:
لم تثبت الوثائق حتى الآن أن صفاقس اخترعت الجبة التونسية، لكنها تقدم قرائن قوية على أن المدينة كانت أحد المراكز المهمة في تاريخ الجبة وتطورها، وأنها طورت نماذج نسائية ورجالية خاصة بها، وحافظت على صناعة الجبة الحريرية إلى جانب تقاليدها النسيجية العريقة.
جبة أنصاف والجبة الرجالية.. مساران في ثوب واحد
وهنا تظهر المفارقة الجميلة.
جبة أنصاف تنتمي أساسًا إلى عالم المرأة الصفاقسية وخصوصية لباسها التقليدي، وهي نموذج يرتبط باللونين وبالذاكرة المحلية.
أما الجبة الحريرية الرجالية فقد ارتبطت بعالم الرجل وأناقة اللباس الحضري، ثم تجاوزت حدود المدن وأصبحت مع الزمن واحدة من أشهر رموز اللباس التونسي.
وبين الاثنين خيط واحد:
النسيج والحرير والحرفة والذوق الصفاقسي.
فالجبة لم تكن في صفاقس مجرد ثوب يُرتدى، وإنما كانت نتاج منظومة كاملة من الحرفيين والنساجين والخياطين والتجار والنساء اللواتي حافظن على اللباس وطورنه، والرجال الذين ارتدوه في الحياة اليومية والمناسبات.
من ثوب صفاقسي إلى رمز تونسي
ربما لا تكمن أهمية صفاقس في أنها تستطيع أن تقول ببساطة: «الجبة لنا».
الأهم أن تاريخها يكشف كيف يمكن لمدينة أن تستقبل عناصر ثقافية مشتركة، ثم تعيد صياغتها وفق خصوصيتها.
فالجبة التي عرفتها مناطق مختلفة من تونس لم تكن بالضرورة نسخة واحدة. وفي صفاقس اكتسبت أشكالًا وألوانًا وخامات وتقاليد خاصة، بينما تطورت في المدن الأخرى وفق أذواقها وبيئاتها.
وهكذا يمكن النظر إلى تاريخ الجبة التونسية باعتباره تاريخًا مشتركًا ساهمت فيه مدن ومناطق عديدة، وكانت صفاقس واحدة من حلقاته المهمة.
أما جبة أنصاف، أو «الأشطار»، فتبقى شاهدًا صفاقسيًا خاصًا على هذا التاريخ؛ قطعة لباس نسائية تكاد تختصر في لونين حكاية مدينة كاملة، مدينة عرفت كيف تجعل من النسيج والحرير والحرفة جزءًا من ذاكرتها.
الخلاصة
بين جبة أنصاف النسائية والجبة الحريرية الرجالية تمتد حكاية صفاقسية تستحق مزيدًا من البحث.
فوثائق تعود إلى 1824 تثبت وجود الجبة ضمن لباس المرأة الصفاقسية، وشهادات القرن التاسع عشر تكشف استمرارها، بينما يقدم الرحالة الإنجليزي إدوارد راي سنة 1877 شهادة مباشرة عن صناعة الجبة الحريرية في صفاقس، مضيفًا: «وأعتقد أن أصلها من صفاقس».
وقد لا تكون هذه العبارة وحدها كافية لإعلان أن صفاقس هي مسقط رأس الجبة التونسية، لكنها بالتأكيد تجعل المدينة طرفًا أساسيًا في قصة هذا اللباس.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن صفاقس لم تحفظ الجبة في شكل واحد؛ فقد تركت لنا جبة أنصاف النسائية بخصوصيتها وألوانها، كما عرفت الجبة الحريرية الرجالية التي ستصبح لاحقًا جزءًا من صورة الرجل التونسي.
وهكذا، فإن البحث عن أصل الجبة يقودنا في النهاية إلى اكتشاف شيء أكبر: تاريخ صفاقس نفسها، مدينةٍ نسجت جزءًا من ذاكرتها بخيوط الحرير.
المراجع
المعهد الوطني للتراث – صفاقس: معلومات تاريخية عن المدينة وحرفها وشهادة إدوارد راي حول الجبة وصناعة الحرير. المعهد الوطني للتراث – صفاقس
Cahiers des Arts et Traditions Populaires، دراسة في الزي الصفاقسي ووثائقه، وتتضمن نماذج موثقة تعود إلى 1824 و1871 و1894 و1905. الدراسة – المعهد الوطني للتراث PDF
Edward Rae, The Country of the Moors، لندن، 1877، المصدر الأصلي لشهادة الرحالة حول الجبة وصناعتها.
T. Wemyss Reid, The Land of the Bey، 1882، ومن شهاداته وصف الجبة ضمن لباس رجال تونس. النص الكامل للكتاب – Project Gutenberg
دراسات ومراجع حول الأزياء التقليدية النسائية في تونس، ومنها النماذج الجهوية لجبة أنصاف والجبة الصفاقسية. عرض حول الأزياء التقليدية التونسية
محمد المنجة سبتمبر 2026 www.tuninet.wordpress.com