16/12/2025
عند الانتقال من تحليل الخوارزميات بوصفها أدوات تنظيم محتوى إلى مقاربتها ضمن سياق السياسات الرقمية للدول، تتكشف طبقة أكثر تعقيداً من الإشكال، لا تتعلق فقط بحرية الاستخدام أو تقييد المنصات، بل بطبيعة العلاقة بين الدولة، والمنصة، والمستخدم، وما ينشأ عن اختلال هذا التوازن من سلوكيات رقمية غير آمنة.
فقرار حظر بعض التطبيقات، كما حدث في المملكة الأردنية الهاشمية سابقاً، أو تقييدها في دول أخرى كالمملكة العربية السعودية، لم يكن في جوهره قراراً تقنياً صرفاً، بل نتاج تعارض بين سياسات المنصة وشروط الامتثال المحلية المرتبطة بحماية البيانات، والأمن المجتمعي، والتنظيم القانوني للمحتوى.
غير أن الإشكالية لا تبدأ عند الحظر، بل تتفاقم عند طريقة تجاوزه.
فانتقال شريحة واسعة من المستخدمين إلى استخدام تطبيقات تغيير الموقع الجغرافي (VPN) يعكس سوء فهم جوهري لطبيعة هذه الأدوات، وحدودها التقنية، ومخاطرها الفعلية.
فالـVPN، في تعريفه التقني، ليس أداة إخفاء هوية مطلقة، ولا وسيلة للتحصن خارج نطاق القانون، بل هو وسيط شبكي يعمل كطرف ثالث يعيد توجيه حركة البيانات عبر خادم آخر، ما يخلق طبقة إضافية بين الجهاز والشبكة المستهدفة.
هذه الطبقة، وإن بدت للمستخدم العادي وسيلة “للتحايل”، إلا أنها في الواقع توسّع مساحة التعرض للمخاطر بدل تقليصها.
فعند استخدام VPN غير موثوق، أو مجاني، أو غير خاضع لتنظيم قانوني واضح، تصبح بيانات المستخدم نفسها عرضة للتجميع أو البيع أو الاستغلال، ويُفتح الجهاز على احتمالات اختراق أوسع، لا تتعلق فقط بالمحتوى الذي يتم استهلاكه، بل بسلامة النظام التشغيلي ذاته.
هذا النوع من الاتصال لا يندرج ضمن مفاهيم الأمن السيبراني كما يُتداول شعبياً، بل يقع في منطقة رمادية تُستخدم فيها أدوات الحماية استخداماً معاكساً لوظيفتها الأصلية، ما قد يؤدي إلى خلق بيئة خصبة لأشكال أخرى من الجرائم الإلكترونية، بعضها فردي، وبعضها ممنهج، يعتمد على استدراج المستخدمين أنفسهم كمدخل للهجوم.
الأخطر من ذلك أن كثيرين ممن يلجؤون إلى هذه الأدوات يفعلون ذلك انطلاقاً من افتراض خاطئ مفاده أن تغيير الموقع الجغرافي يعني انقطاع الصلة بينهم وبين أي سلطة قانونية.
هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أن التتبع الرقمي لا يعتمد على عنوان IP وحده، بل على منظومة متكاملة من المعرفات، تبدأ من رقم الجهاز التسلسلي، ومعرفات النظام، وبصمات المتصفح، ولا تنتهي عند سجل الشراء نفسه.
فالأجهزة الذكية اليوم لا تُباع بمعزل عن البيانات، بل ترتبط بفواتير، وحسابات، وأسماء، وأرقام وطنية، وتاريخ استخدام، ما يجعل فكرة “الاختفاء الرقمي” أقرب إلى وهم تقني منها إلى واقع عملي.
في هذا السياق، يصبح استخدام الـVPN لأغراض ارتكاب جرائم أخلاقية أو تحريضية أو تضليلية، ليس فقط سلوكاً مخالفاً للقانون، بل سلوكاً ساذجاً تقنياً، لأن أقسام الجرائم الإلكترونية في الدول لا تعمل بمنطق المنصة الواحدة، ولا تُقيَّد بسياسات شركة بعينها.
حتى في الحالات التي لا تتوافق فيها سياسات منصات مثل تيك توك مع متطلبات الجهات التنظيمية المحلية، فإن ذلك لا يعني غياب القدرة على التتبع أو المساءلة، بل يعني أن مسار المعالجة يخرج من نطاق “إدارة المحتوى” إلى نطاق “إنفاذ القانون”.
ويُضاف إلى ذلك أن الاستخدام الكثيف للـVPN لا يخلق فقط مخاطر قانونية، بل يُسهم أيضاً في تشويه الخوارزمية ذاتها، إذ تتعامل المنصات مع هذا النمط من الاتصال بوصفه سلوكاً غير مستقر، ما يؤدي إلى دفع محتوى أكثر تطرفاً أو أقل جودة، استناداً إلى الثواني الأولى من التفاعل، لا إلى النية الفعلية للمستخدم. وهنا تتقاطع التقنية مع السلوك، ويتحول التحايل الفردي إلى عامل مضاعِف للفوضى الرقمية، لا وسيلة للتحرر منها.
من هذا المنطلق، لا يمكن فصل النقاش حول حظر التطبيقات أو تقييدها عن النقاش الأوسع المتعلق بالوعي الرقمي، وحدود الحرية، ومسؤولية المستخدم.
فالدولة، حين تفرض شروطاً تنظيمية، لا تفعل ذلك بالضرورة بدافع السيطرة، بل في محاولة لضبط فضاء رقمي بات، دون تنظيم، بيئة مفتوحة لاستباحة القيم، وتفكيك السلم المجتمعي، وتوسيع نطاق الجريمة الإلكترونية.
وفي المقابل، فإن تجاهل المستخدم لهذه الأبعاد، وتعاطيه مع التقنية بوصفها لعبة ذكاء ضد القانون، لا يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين الحق في الاستخدام والواجب في المساءلة.
في النهاية، لا تُقاس قوة الفرد في الفضاء الرقمي بقدرته على الالتفاف، بل بقدرته على الفهم.
فالتقنية، مهما بدت محايدة، لا تعمل خارج السياق السياسي، القانوني، والاجتماعي، والخوارزميات، مهما تعقّدت، تظل مرآة للسلوك الجمعي الذي سمح لها أن تتشكل، وأن تتوحش، وأن تُعاد توظيفها خارج الغاية التي صُممت من أجلها.
Algorithmic Content - التدوين الخوارزمي
Aktobblarabi - اكتب بالعربي